من فنزويلا إلى الجزائر: رشيد نكّاز يحذّر من مصير الأنظمة بلا شرعية

في خطاب سياسي لافت، قدّم المعارض الجزائري رشيد نكّاز قراءة تحليلية للأحداث الدولية، انطلاقًا من الوضع في فنزويلا وما وصفه بـ«السقوط السياسي» للرئيس نيكولاس مادورو، ليُسقط ذلك على واقع عدد من الدول، من بينها الجزائر، محذّرًا من أن غياب الشرعية الشعبية والديمقراطية يجعل أي نظام، مهما بدا قويًا، عرضة للانهيار.
ويرى نكّاز أن ما يحدث في فنزويلا ليس حالة استثنائية، بل نموذج متكرر في التاريخ الحديث، حيث تعتقد بعض الأنظمة أن السيطرة الأمنية، أو الخطاب الشعبوي، أو التحالفات الخارجية، قادرة على تعويض فقدان الثقة الشعبية، قبل أن تكتشف – متأخرة – أن الشرعية لا يمكن فرضها بالقوة.
دروس التاريخ وسقوط الأنظمة
استحضر نكّاز في حديثه أمثلة متعددة من التاريخ السياسي المعاصر، من معمر القذافي في ليبيا، إلى صدام حسين في العراق، مرورًا بتجارب أخرى في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، مؤكدًا أن القاسم المشترك بينها هو انفصال الحاكم عن شعبه.
وفي السياق الجزائري، ذكّر بأحداث سنة 2019، حين انهار نظام سياسي استمر لعقود في ظرف أسابيع قليلة، رغم امتلاكه لمؤسسات قوية وأجهزة أمنية فعالة. ويعتبر نكّاز أن تلك المرحلة لا يجب أن تُختزل في كونها أزمة عابرة، بل درسًا عميقًا يثبت أن الشرعية الشعبية هي أساس الاستقرار الحقيقي.
الجزائر في قلب التحذير
لم يُخفِ نكّاز قلقه مما يراه مسارًا مقلقًا في الجزائر، خاصة فيما يتعلق بتقييد الحريات السياسية، وتضييق هامش التعبير، وغياب النقاش العمومي الواسع حول القضايا المصيرية. ويرى أن أي دولة تُدار دون مشاركة فعلية من مواطنيها، تضع نفسها على مسار محفوف بالمخاطر.
كما انتقد بشدة بعض التوجهات الاقتصادية، وعلى رأسها قانون المناجم والعقود طويلة الأمد مع شركات أجنبية في قطاعات استراتيجية، معتبرًا أن التفريط في الثروات الطبيعية يمسّ بالسيادة الوطنية، ويرهن مستقبل الأجيال القادمة دون تفويض شعبي واضح أو شفافية كافية.
نزع الجنسية والحريات السياسية
ومن بين أبرز النقاط التي أثارها نكّاز، تحذيره من المساس بحقوق الجزائريين في الداخل والخارج، لا سيما ما يتعلق بإمكانية نزع الجنسية على خلفيات سياسية. واعتبر أن مثل هذه الإجراءات، إن طُبّقت، تشكّل سابقة خطيرة لم تعرفها الجزائر حتى في أحلك مراحلها بعد الاستقلال.
وأشار إلى أن الدولة الجزائرية، منذ 1962، تعاملت مع معارضيها السياسيين، مهما بلغت حدة الخلاف، ضمن إطار قانوني حافظ على الحد الأدنى من وحدة المجتمع، محذرًا من أن كسر هذا التوازن قد يؤدي إلى تصدعات عميقة يصعب ترميمها.
مشروع سياسي ورؤية للمستقبل
في ختام تحليله، أعلن رشيد نكّاز عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة سنة 2029، مؤكدًا أن مشروعه السياسي يقوم على ما يسميه “الجمهورية الجزائرية الثانية”، التي ترتكز على:
إعادة بناء الشرعية عبر انتخابات حرة ونزيهة احترام الحريات السياسية والإعلامية الفصل بين المال والسلطة استعادة السيادة الوطنية في القرارات الاقتصادية الكبرى بناء مؤسسات قوية تستمد قوتها من ثقة المواطن
ويؤكد نكّاز أن هذا المشروع لا يقتصر على شخصه، بل هو دعوة مفتوحة لكل القوى الوطنية القادرة على التوافق حول حد أدنى من القيم الديمقراطية.
يختتم نكّاز خطابه برسالة تحذيرية واضحة:
أنظمة الحكم التي تعتقد أن الزمن يعمل لصالحها قد تكتشف، في لحظة مفصلية، أن الزمن كان يعمل ضدها، وأن الاستقرار المبني على القوة وحدها يبقى هشًا ومؤقتًا.
وبين فنزويلا والجزائر، يرى نكّاز خيطًا ناظمًا واحدًا:
الشرعية الشعبية ليست ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء الدول واستقرارها، وأن تجاهل هذا المبدأ قد يفتح الباب أمام أزمات لا تُحمد عقباها.