جان-نويل بارو في الجزائر: بداية جديدة لعلاقات جزائرية-فرنسية متوترة

الجزائر – الأحد 6 أفريل 2025
في خطوة دبلوماسية تحمل الكثير من الرمزية والرهانات، سيحل غذا الأحد وزير الشؤون الخارجية الفرنسي، جان-نويل بارو بالجزائر، في زيارة قصيرة لكنها مفصلية ضمن مسعى لإعادة بعث العلاقات الثنائية بين باريس والجزائر، بعد أزمة دامت قرابة ثمانية أشهر.
الزيارة تأتي في أعقاب الاتصال الهاتفي الذي جمع، مطلع الأسبوع، الرئيس عبد المجيد تبون بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث وصف بيان مشترك المحادثات بأنها “صريحة وودية”، وجرى خلالها التوافق على المضي نحو “خريطة طريق” جديدة لتجاوز التوترات الأخيرة.
تراكمات من التوترات الدبلوماسية
العلاقات بين الجزائر وفرنسا شهدت تصعيدًا ملحوظًا منذ صيف 2024، حين أعلنت باريس دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء الغربية. تلى ذلك سلسلة من الحوادث، أبرزها توقيف الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال في الجزائر، ورفض السلطات الجزائرية استقبال عدد من رعاياها المقيمين في فرنسا بصفة غير قانونية، إلى جانب ترحيل المؤثر الجزائري بوعلام نعمان الذي أثار جدلًا سياسيًا في البلدين.
دعوات لحماية حقوق الإنسان
عدد من جمعيات الجالية الجزائرية في فرنسا طالبت بأن تكون حقوق الإنسان جزءًا أساسيًا من الحوار الثنائي، مشيرة إلى وجود أكثر من 250 معتقل رأي في الجزائر. وأثارت هذه الجمعيات قضية الكاتب بوعلام صنصال، معتبرة أن توقيفه يثير تساؤلات بشأن حرية التعبير، فيما عبّر رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو عن انشغال الحكومة بقضيته، قائلًا إنها “محط متابعة مستمرة من جانبنا”.
الهجرة: ملف معقّد في صلب النقاشات
يبقى ملف الهجرة من أبرز القضايا المطروحة، لا سيما بعد حادثة الطعن التي شهدتها مدينة مولوز في فيفري الماضي، ونفذها مهاجر جزائري خاضع لأمر ترحيل. الحادثة أعادت تسليط الضوء على الصعوبات التي تواجهها فرنسا في تنفيذ قرارات ترحيل رعايا جزائريين، وهو ما أدى إلى توتر سياسي بين الجانبين، خاصة بعد رفض الجزائر استقبال قائمة قدمتها باريس تضم حوالي 60 شخصًا.
في هذا السياق، يسعى الطرفان إلى مراجعة بروتوكول 1994 المنظم لعمليات الترحيل، وتفعيل إصدار وثائق المرور القنصلية. ومن المتوقع عقد اجتماعات تنسيقية بين ممثلي الولايات الفرنسية وعدد من القنصليات الجزائرية في الأيام المقبلة.
عودة تدريجية للتعاون الأمني والقضائي
رغم الجمود الذي طبع العلاقات مؤخرًا، سُجّلت مؤشرات على عودة تدريجية للتعاون الأمني، خاصة بعد زيارة مدير الاستخبارات الخارجية الفرنسية نيكولا ليرنر إلى الجزائر في جانفي الماضي. غير أن التعاون بين الأجهزة الأمنية الداخلية ما يزال محدودًا ويحتاج إلى إعادة تفعيل.
أما على الصعيد القضائي، فلا تزال بعض الملفات الشائكة قائمة، مثل قضية الوزير الأسبق عبد السلام بوشوارب، الذي رفضت فرنسا تسليمه رغم مذكرات توقيف صادرة عن العدالة الجزائرية، وهو ما أثار انتقادات رسمية من السلطات الجزائرية.
الاقتصاد… رافعة محتملة للعلاقات
الشق الاقتصادي يمثل بدوره أحد مفاتيح التقارب المنتظر. تطالب فرنسا بإزالة العراقيل التي تعيق استئناف نشاط بعض استثماراتها الكبرى، على غرار مصنعي “رونو” و”فولفو-رونو تراك”، واللذين تلقيا مؤخرًا قرارات سلبية من السلطات الجزائرية. كما تطالب باريس بتسهيل الإجراءات المتعلقة بالاستيراد.
في المقابل، تعهّدت باريس بدعم الجزائر في مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في اتفاق الشراكة، إلى جانب الدفع نحو توثيق التعاون بين الهيئات الاقتصادية في البلدين. وفي هذا السياق، يرتقب أن يزور رئيس منتدى رؤساء المؤسسات CREA، كمال مولى، العاصمة الفرنسية بدعوة من منظمة “ميداف”.
ملف الذاكرة يعود إلى الواجهة
الملف التاريخي يبرز بدوره ضمن المحاور الأساسية التي تشملها خريطة الطريق الجديدة. حيث من المنتظر أن تستأنف اللجنة المشتركة للمؤرخين الجزائريين والفرنسيين أعمالها خلال الأسابيع المقبلة، على أن تقدم توصياتها قبل صيف 2025، في مسعى لكسر الجمود في ملف الذاكرة.
بين تفاؤل باريس وتحفّظ الجزائر
رغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الزيارة، يبقى الحذر حاضرًا، خصوصًا من الجانب الجزائري. إذ يرى بعض المراقبين، مثل الصحفي عثمان لحيني، أن “مصادر الخلاف بين البلدين أعمق من أن تُحل سريعًا”، معتبرًا أن ما يجري “عودة إلى الحد الأدنى من التواصل، لا أكثر”.
في المقابل، تؤكد باريس أنها مصمّمة على اعتماد مقاربة قائمة على النتائج والالتزام بالمواعيد، لضمان تفعيل الاتفاقات وتجنب عودة التوتر.
وبين تطلعات باريس وحذر الجزائر، تبقى الأيام القادمة كفيلة بتبيان ما إذا كانت هذه الزيارة ستمثل بداية فعلية لتجاوز مرحلة التوتر، أم أنها ستبقى مجرد خطوة رمزية أخرى في مسار طويل من المد والجزر الدبلوماسي.
عن وسائل إعلام